سلسلة على حافة الأدب

تراتيل الظلّ الأخير

هو الظلّ الذي لا يحتاج ضوءًا ليمتدّ في خواطرنا. يكفي مقعد فارغ، أو صوت نبحث عنه في ذاكرة الهاتف، أو اسم يمرّ في حديث فنلتفت، قبل أن نتذكر أن صاحبه لن يجيب.

للموت حضور يبدأ أحيانًا قبل الغياب بوقت طويل؛ في خوفنا على من نحب، وفي ارتباكنا أمام أعمار تمضي، وفي أشياء نؤجلها كأن بيننا وبين الأيام عهدًا بأن تنتظر. ثم تأتي لحظة ينقطع فيها حديث، ويبقى في القلب كلام لم يجد صاحبه.

نحاول أن نمنح هذه الحقيقة صورة نستطيع الاقتراب منها. نتخيل الورقة حين تفارق الغصن، والقنديل حين تخفت شعلته، والمدّ حين يمحو آثار الأقدام عن الرمل. تساعدنا الصور على احتمال الفكرة، لكنها لا تمحو وجع الفقد، ولا تخبرنا بكل ما وراء الغياب. يبقى للموت ثقله، وللراحلين خصوصيتهم التي تعجز الاستعارة عن احتوائها.

قال الله تعالى:

﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: 2]

تجمع الآية الموت والحياة في أفق الابتلاء، وتضع أمام الإنسان سؤال حسن العمل. ومن هذا المعنى ينفتح تأمل في الأيام التي نعيشها الآن: ما الذي نصنعه بالقدرة المتاحة، وبالمعرفة التي اكتسبناها، وبالوجوه التي ائتمنتنا على شيء من حياتها؟

فحين تحضر النهاية في الوعي، يتغير وزن بعض الأشياء. قد يصغر خلاف استهلك أعوامًا، وتكبر كلمة اعتذار ظلت مؤجلة. وقد يرى المرء أن الوقت الذي كان يظنه فائضًا، ويمنحه لأهله متى انتهت أعماله، كان جزءًا أصيلًا من الحياة التي يعمل من أجلها.

نخشى الموت، ونخشى معه أن تسقط الأماني من جيوبنا ونحن نعبر؛ كتابًا لم نكمله، ووعدًا لم نفِ به، ويدًا انتظرتنا طويلًا. نتشبث بالوجوه التي ألفناها، وبالأماكن التي حفظت خطواتنا، لأن في كل واحد منها شيئًا من صورتنا عن أنفسنا. وحين يرحل قريب، نفقد حضوره ونفتقد أيضًا الشخص الذي كنّاه إلى جواره.

وفي عالم يمنح الظهور قيمة كبيرة، قد يتسلل هذا المنطق إلى تصوّرنا للبقاء. نحسب الأثر بعدد من يعرفون أسماءنا، وبما يُكتب عنا حين نغيب. وربما انشغل الإنسان طويلًا بتأمين مكان له في ذاكرة الناس، حتى قلّ انتباهه إلى ما يحتاجونه منه وهو بينهم.

لكن الذاكرة لا توزّع حضورها بالعدل دائمًا. تحفظ أسماء أصحاب المواقع، وقد تنسى من حملوا الأعمال بصمت. يُذكر من افتتح المكان، ويغيب اسم من أمضى سنوات يحافظ عليه. وقد تبقى صورة المتحدث، فيما تتوارى وجوه الذين جعلوا لكلامه فرصة أن يُسمع.

لهذا تتجاوز قيمة الإنسان ما يستطيع المجتمع إحصاءه من شهرته. ثمة معلم لا يتذكره إلا تلاميذ قليلون، لكن طريقته في الإصغاء صارت جزءًا من معاملتهم لأبنائهم. وثمة امرأة مضت دون سيرة مكتوبة، وبقي ما علّمته من رحمة ينتقل بين أفراد أسرتها. بعض الآثار يعيش في سلوك الناس بعد أن يغيب عنهم اسم من بدأه.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» (أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، حديث رقم 1631).

يفتح الحديث بابًا لاستمرار الثواب بعد انقطاع العمل، من خلال وجوه من الخير تتجاوز عمر صاحبها. وفي هذه المعاني حضور للعطاء والمعرفة والتربية؛ أشياء تحتاج إلى رعاية أثناء الحياة، وقد يمتد نفعها إلى أشخاص لم يلتقِ بهم من كان سببًا فيها.

تشبه المعرفة النافعة قنديلًا تنتقل منه الشعلة إلى فتيل آخر. ينقص الضوء في الغرفة حين يغيب صاحبه، لكن ما تعلّمه الآخرون منه قد يضيء أماكن لم يدخلها قط. وتبقى هذه الصورة رجاءً في امتداد النفع، لا ادعاءً بأن الذكر بين الناس يختصر مصير الإنسان أو يضمن منزلته عند الله.

وليس كل أثر نتركه رحيمًا. فقد يبقى في بيت خوف صنعه غاضب، وفي مؤسسة عادة ظلم رسّخها مسؤول، وفي نفس كلمة جارحة تجاوزها قائلها ولم يتجاوزها سامعها. لذلك يحمل التفكير في الأثر سؤالًا عن نوع ما يستمر منّا، وعن إمكان إصلاح بعضه ما دام الكلام ممكنًا والأيدي قادرة على الوصول.

وحين يطول الظلّ الأخير، نتذكر أن البذرة لا تحمل صورة الساقي، لكنها تحمل أثر عنايته. ربما نمت بعيدًا عن المكان الذي عرفه، وتفيّأها عابر لا يعرف اسمه. وفي خضرتها شيء من وقت منحه، وماء حمله، وصبر لم يشهده أحد.

ما الذي نرجو أن يواصل الحياة منّا في الآخرين، حين تغيب وجوهنا وربما تغيب أسماؤنا أيضًا؟