سلسلة على حافة الأدب
رأس المال الذي لا يُعوَّض
يقضي الإنسان حياته محاسبًا على أمواله، مدققًا في خسائره وأرباحه، حريصًا على دراهمه ودنانيره، بينما يتفلّت بين يديه أغلى ما يملك دون أن يدري: الزمن. إنه رأس المال الحقيقي الذي لا تُعوّضه الأموال، ولا تسترده الأيام مهما بلغ الإنسان من الجاه والقوة.
يقول الله تعالى مُقسِمًا بالزمن ليحضّ الإنسان على إدراك قيمته:
﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [سورة العصر]
فالخسران هو الصفة اللازمة لمن فرّط في ساعاته وأيامه في غير طاعةٍ أو نفع، لأن الزمن الماضي لا يعود. واللافت أن الآية لا تكتفي بوصف علاج هذا الخسران بالإيمان والعمل الصالح وحدهما، بل تضيف إليهما ركنين آخرين: التواصي بالحق، والتواصي بالصبر. وكأن السلامة من خسران الوقت ليست شأنًا فرديًا صرفًا يُدار في عزلة، بل تحتاج إلى إنسانٍ آخر يُذكّر ويُذكَّر، فيتحول الزمن من ملكية خاصة يُحاسَب عليها المرء وحده، إلى مسؤولية مشتركة بين من يعيشون العصر نفسه.
ويؤكد النبي ﷺ هذه الحقيقة في قوله، فيما رواه ابن عباس رضي الله عنهما: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ» (رواه البخاري في صحيحه، حديث رقم 6412). والغبن هنا هو الخسارة الواضحة؛ أن يملك المرء وقت الفراغ والصحة ثم يضيعهما في اللهو والتسويف، مكتشفًا بعد فوات الأوان أنه أنفق عمره فيما لا يفيد.
ومما يزيد هذا الغبن غموضًا أنه لا يشبه سائر الخسارات؛ فمن يخسر مالًا يشعر بلحظة الخسارة، ومن يخسر شيئًا ملموسًا يبحث عنه فلا يجده. أما خسارة الوقت فتمرّ في الغالب دون إحساس واضح بها؛ يمضي اليوم شبيهًا بسابقه، وتتشابه الأسابيع حتى تختلط، فلا يشعر الإنسان أن شيئًا نقص منه إلا حين يقف فجأة أمام مسافة طويلة انقضت دون أن يترك فيها أثرًا يستحق أن يُذكر.
وفي العصر الحديث، أخذ تبديد الوقت أشكالًا جديدة ومبتكرة؛ ففضاءات التواصل والتطبيقات اللانهائية تسرق الساعات تلو الساعات من أعمار الناس دون أن يُشعروا بذلك. يظن المرء أنه يتسلّى، بينما هو في الحقيقة يبدد رصيده الوحيد في هذه الدنيا؛ فالتطبيق لا يسأله عن الوقت الذي أمضاه فيه، ولا يُذكّره بأن الدقيقة التي انقضت في التمرير بين الصور لن تعود مهما طال عمره بعدها.
وثمة مفارقة تستحق التأمل: كلما ازدادت الوسائل التي يُفترض أن توفّر على الإنسان وقته، ازداد شعوره بضيق الوقت لا باتساعه. تختصر الأدوات الحديثة مهامًا كانت تستغرق ساعات إلى دقائق، ومع ذلك يشكو أصحابها من ضيق الوقت أكثر ممن سبقوهم بلا شيء من هذه الوسائل. وكأن الوقت الذي يُوفَّر من جهة، يُستهلك من جهة أخرى في أشياء لا تُحسب في الأصل ضمن حسابات الإنسان اليومية، فيبقى شعوره بالغبن قائمًا، وإن تغيّر شكل ما يُغبَن فيه.
فالعمر ليس سوى أنفاس معدودة، وكل يوم ينقضي هو جزءٌ من الحياة يُمحى. وما يفرّق بين إنسان وآخر ليس طول العمر الممنوح لهما، بل ما يشعر به كل منهما حين ينظر إلى ما انقضى منه؛ فبعضهم يمر عليه العقد تلو العقد دون أن يلتفت، وبعضهم يقف عند كل يوم يمضي وكأنه يودّع شيئًا لن يلقاه ثانية.
ويبقى السؤال: هل الغبن الحقيقي في أن يضيع الوقت من يد الإنسان، أم في أن يمر عمره كله دون أن يشعر يومًا أنه كان مغبونًا؟