كان رجلًا طيبًا، كلما وجد بابًا للخير طرقه، وكلما استطاع أن يمدّ يدًا لمحتاج لم يتردد. وكان يدعو الله أن يجعل في خطواته خيرًا، وفي أفعاله أثرًا طيبًا.

غير أن الطريق لم يكن دائمًا كما تصوّره. ففي كل مرة كان يبادر فيها إلى أمر يراه خيرًا، كانت تظهر أمامه مشكلة لم يحسب لها حسابًا؛ مرة يخسر شيئًا، ومرة يُساء فهمه، ومرة يجد نفسه أمام نتيجة لم تخطر بباله.

ومع ذلك، لم يكن كثير التذمر. كان يبحث عن حل، ويتجاوز ما يستطيع تجاوزه، ثم يمضي. لكن خاطرًا كان يزوره أحيانًا في لحظات التعب: «يا ليتني ما فعلت…». ثم ينتبه إلى نفسه، فيستغفر الله، ويسكت قليلًا، ويواصل حياته.

لم يكن يعرف ما الذي كان سيحدث لو اختار طريقًا آخر، ولا أيَّ شرّ ربما صرفه الله عنه وهو يظن أنه خسر، ولا أيَّ خير قد يخرج يومًا من تلك المتاعب. فالإنسان يرى ما حدث أمام عينيه، لكنه لا يرى الطرق الأخرى التي لم يسلكها. ولعل أكثر ما يُتعب الإنسان ليس ما وقع له، بل اعتقاده أنه كان يستطيع أن يعرف مسبقًا ما ستؤول إليه الأشياء.

يقول الله تعالى:

﴿قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ۚ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
[الأعراف: 188]

في هذه الآية حدّ فاصل بين ما يملكه الإنسان وما لا يملكه. يستطيع أن يفكر ويخطط ويختار، لكنه لا يستطيع أن يرى الغد قبل أن يأتي. ولو كان الغيب مكشوفًا أمامه، لاختار دائمًا الطريق الأكثر خيرًا، وابتعد عن كل طريق ينتهي بالألم. لكن الحياة لا تمنح أحدًا خريطة كاملة.

ندخل أبوابًا ونحن نظن أن خلفها ما نريد، ثم نجد شيئًا آخر. نثق بأشخاص ثم نكتشف فيهم ما لم نكن نعرفه. نبدأ مشروعًا نحسبه بداية نجاح، فإذا به يفتح سلسلة من المتاعب. وقد نهرب من أمر نظنه شرًّا، ثم تكشف السنوات أنه كان يحمل فرصة لم نرها في حينها.

ومن هنا يولد واحد من أثقل الأسئلة على النفس: ماذا لو؟ ماذا لو لم أذهب؟ ماذا لو لم أقبل؟ ماذا لو لم أثق؟ ماذا لو اخترت الطريق الآخر؟ أسئلة تبدو بريئة، لكنها قد تتحول إلى محاكمة طويلة للماضي. والمفارقة أن الإنسان يحاكم قراره القديم بما يعرفه اليوم، لا بما كان يعرفه يوم اتخذه.

وهنا يظهر بُعد اجتماعي لافت؛ فالإنسان لا يعيش ندمه منفردًا دائمًا، بل داخل مجتمع يعيد تفسير الأحداث بعد وقوعها. بعد الفشل يكثر من يقول: «كان الأمر واضحًا منذ البداية»، وبعد الخسارة يظهر من يؤكد أنه كان يتوقعها، وبعد انهيار علاقة يتحدث الآخرون وكأن نهايتها كانت مكتوبة أمام الجميع. إنها حكمة ما بعد الحدث؛ حين تبدو النتيجة، بعد وقوعها، أكثر قابلية للتوقع مما كانت عليه قبل وقوعها. وهكذا قد يجد الإنسان نفسه مطالبًا بتفسير قرار اتخذه في ظروف مضت، وبمعلومات كانت ناقصة، وكأنه كان يمتلك نافذة سرية يرى منها المستقبل.

غير أن الغد لا يكشف أوراقه لأحد. ولهذا جاء في الحديث، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال:

«بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا»
(رواه مسلم في صحيحه، رقم 118).

فالمبادرة هنا تحمل معنى عميقًا: الظروف لا تبقى ثابتة، والفرص لا تقيم في المكان نفسه إلى الأبد، والإنسان نفسه يتغير.

وربما لهذا لا تكون المشكلة دائمًا في أننا لا نعرف المستقبل، بل في أننا نتصرف أحيانًا وكأن لدينا منه ضمانًا مكتوبًا. نؤجل كلمة طيبة لأن اللقاء القادم يبدو مؤكدًا، ونؤجل زيارة قريب لأن الأسبوع المقبل موجود في مخيلتنا، ونؤجل مصالحة لأن الوقت، في تصورنا، طويل، ونؤجل مشروعًا نحبه، وكتابًا نريد قراءته، وعلمًا نريد تعلمه، وحلمًا نقول إننا سنعود إليه «حين تتحسن الظروف». ثم تمضي الأيام، وبعض الأشياء التي وضعناها في خانة «غدًا» لا تجد غدها أبدًا.

ذلك الرجل الذي كان يقول أحيانًا: «يا ليتني ما فعلت» لم يكن يعرف الغيب، لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا: أنه حين فعل ما فعل، اختار بما توفر له من معرفة، ثم واجه ما نتج عن اختياره. وحين ظهرت المشكلة، بحث عن حل. وحين ضاق، دعا. وحين زاره الندم، استغفر. ثم واصل السير.

وربما كانت تلك هي المسافة الفاصلة بين إنسان يعيش حياته، وآخر يقضيها واقفًا أمام أبواب أغلقها الزمن، يتخيل باستمرار ما كان يمكن أن يوجد خلفها.

لسنا نعرف كم بقي من الطريق، ولا أيّ منعطف ينتظرنا، ولا أيّ قرار صغير سيغير أشياء كبيرة في حياتنا؛ نعرف فقط اللحظة التي بين أيدينا.

فإذا كان الغد غير مضمون، فهل نسابقه بما نملكه اليوم من خير، أم نظل نؤجل ما نستطيع فعله الآن، وكأن الغد وعدٌ لا يتخلّف؟