حين كتب عباس محمود العقاد عن حرية الرأي، لم يتعامل معها بوصفها امتيازًا منفصلًا عن المسؤولية، بل قرنها بما يترتب على صاحبها من تبعات. كانت الفكرة عنده واضحة: الرأي حق، لكنه ليس بابًا للهروب من نتائج ما نختاره وننشره.
في مقالته «حرية الرأي وتبعة الرأي» المنشورة في مجلة الرسالة، العدد 749، بتاريخ 10 نوفمبر 1947، كتب العقاد:
«حرية الرأي مكفولة لكل إنسان. ولكن لا حرية بغير تبعة.»
هذه العبارة القصيرة تختصر جانبًا أساسيًا من تصوره للحرية الفكرية؛ فالحرية عنده لا تُقاس فقط بقدرة الإنسان على الكلام، بل أيضًا بقدرته على تحمّل ما يقوله، والتمييز بين رأيه الشخصي وبين ما يطلب من مؤسسة عامة أن تتبناه أو تمنحه صفة رسمية.
وينطلق العقاد من نقاش حول الجامعة المصرية ومسؤوليتها في إجازة الآراء والبحوث، لكنه يتجاوز المناسبة إلى سؤال أوسع: أين تنتهي حرية الفرد، وأين تبدأ مسؤولية المؤسسات والمجتمع؟
يرى العقاد أن مقاومة الرأي تكون بالرأي، والبرهان بالبرهان، وأن المصادرة بالقوة ليست سبيلًا طبيعيًا لأصحاب الفكر. وفي الوقت نفسه، لا يجعل الحرية مطلقة بلا حدود، بل يربطها بمبدأ المسؤولية والتمييز.
ومن هنا تبدو مقالته، رغم سياقها التاريخي، قريبة من أسئلة عصرنا: من المسؤول عن الكلمة المنشورة؟ هل يكفي أن نقول إن التعبير حر، أم أن الحرية تكتمل حين يعرف صاحب الرأي تبعات قوله؟
قراءة العقاد اليوم تكشف أن النقاش حول حرية الرأي لم يكن يومًا بسيطًا؛ فهو يتأرجح دائمًا بين حق الفرد، وحق الآخرين، ودور المؤسسات، وأمانة المعرفة.
المصدر: عباس محمود العقاد، «حرية الرأي وتبعة الرأي»، مجلة الرسالة، العدد 749، 10 نوفمبر 1947.
مرجع النص: ويكي مصدر.